القاهرة، مصر
في تحول تاريخي غير مسبوق، نجحت مصر في إعادة رسم خريطة عمرانها خلال السنوات العشر الماضية، حيث تضاعفت مساحة الرقعة المعمورة في البلاد من 7% فقط من إجمالي المساحة إلى 14%، وذلك وفق إعلان وزير الإسكان المصري المهندس شريف الشربيني. هذا الإنجاز يمثل قفزة عمرانية هائلة، حيث تم استغلال نفس المساحة التي تم تعميرها منذ بداية الدولة المصرية وحتى عام 2014، في عقد واحد فقط.
التحدي الديموغرافي والدافع للتحول
جاء هذا التحول استجابة لتحد ديموغرافي ضخم. فخلال اثني عشر عاماً، زاد عدد سكان مصر بما يقارب 24 مليون نسمة، ليصل إلى نحو 110 ملايين نسمة، بمعدل زيادة سنوية يقارب مليوني نسمة. كان هذا النمو السكاني السريع يضغط بشدة على الرقعة التقليدية المأهولة على ضفاف النيل، مما دفع الدولة إلى تبني رؤية استراتيجية لتعمير الصحراء وتوسيع نطاق العمران.
ركيزة التحول.. مدن الجيل الرابع
اعتمدت الاستراتيجية المصرية على إنشاء منظومة متكاملة من \"مدن الجيل الرابع\" الذكية والمستدامة. تم وضع مخططات لـ 37 مدينة اقتصادية جديدة، تقدم حلاً متكاملاً يدمج بين السكن والعمل والترفيه والخدمات. تم تصميم هذه المدن لتكون متكيفة مع المتغيرات المناخية، وتوفر بنية تحتية رقمية، ونقلاً جماعياً حديثاً، ومساحات خضراء واسعة.
العاصمة الإدارية الجديدة.. نواة الحكم الذكي
تتصدر المشروعات العاصمة الإدارية الجديدة، التي أصبحت مقر الحكم الفعلي في مصر. تقع على مساحة 170 ألف فدان، وتهدف لاستيعاب 6.5 ملايين نسمة وتوفير مليوني فرصة عمل. بلغت تكلفة المرحلة الأولى منها 45 مليار دولار. تمثل العاصمة حلاً لضغط القاهرة الكبرى التي يقطنها نحو 23 مليون نسمة، وهي امتداد تاريخي للتوسع العمراني للقاهرة عبر العصور.
مدينة العلمين الجديدة.. بوابــة مصر السياحية على المتوسط
على ساحل البحر المتوسط، تبرز مدينة العلمين الجديدة كأول مدينة مليونية مصرية يتم بناؤها لتكون مقصداً سياحياً عالمياً على مدار العام. بمساحة 50 ألف فدان واستثمارات تبلغ 350 مليار جنيه (حوالي 7.2 مليار دولار)، تستهدف المدينة جذب 8 ملايين زائر خلال عام 2025. كما أصبحت المدينة تضم مقراً صيفياً للحكومة المصرية، بما في ذلك مجلس الوزراء وقصر الرئاسة.
نتائج ملموسة.. توظيف واستثمارات
حققت هذه المدن بالفعل نتائج اقتصادية فورية. حيث نجحت في توفير نحو 5 ملايين فرصة عمل، ساهمت بشكل رئيسي في انخفاض معدل البطالة من 13.5% في 2013 إلى نحو 6.2% حالياً، رغم الزيادة السكانية الكبيرة. كما أصبحت هذه المشروعات مغناطيساً لجذب الاستثمار الأجنبي، حيث احتلت مصر المرتبة التاسعة عالمياً والأولى أفريقياً في صافي التدفقات الاستثمارية للعام المالي 2023/2024، بقيمة 46.1 مليار دولار.
المشروعات الزراعية.. تعمير الريف المصري
لم يقتصر التوسع على المناطق الحضرية، بل امتد ليشمل مشروعات استصلاح زراعي ضخمة. يأتي على رأسها المشروع القومي لاستصلاح وتنمية مليون ونصف المليون فدان، الذي يهدف لزيادة الرقعة الزراعية بنسبة 20%، وخلق فرص استثمارية واعدة في الصناعات الغذائية والمناطق اللوجستية. يتم تنفيذ هذا المشروع عبر شركة \"الريف المصري\"، التي تطرح الأراضي للمستثمرين من مختلف الفئات.
رؤية مستقبلية.. بناء مصر 2030
يُعد هذا التحول العمراني الهائل ركيزة أساسية لرؤية مصر 2030، ويجسد إرادة سياسية قوية للمضي قدماً في خطة طموحة لتوسيع الرقعة المعمورة وخلق حياة كريمة للمواطنين. مع دخول مشروعات مثل العاصمة الإدارية والعلمين مراحل متقدمة من التشغيل، تشهد مصر حقبة جديدة من التنمية المتوازنة التي توزع الكثافة السكانية وتفتح آفاقاً اقتصادية غير مسبوقة أمام المستثمرين المحليين والدوليين.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!