الشارقة، الإمارات في خطوة تعكس توجه الإمارة نحو حوكمة القطاع العقاري بمعايير عالمية، كشفت المناقشات الموسعة التي عقدها المجلس الاستشاري للشارقة مؤخراً عن ملامح مرحلة جديدة وغير مسبوقة في سياسة دائرة التسجيل العقاري، حيث تجاوزت المداولات الإطار المحلي لتقدم رؤية متكاملة تعيد تعريف مفهوم الشفافية والاستثمار الآمن للملاك والمستثمرين الأجانب على حد سواء.
لم تكن الجلسة الحادية عشرة لمجرد استعراض روتيني للإنجازات، بل شكلت منصة استراتيجية لتحليل أعمق التحولات الرقمية التي تتبناها الإمارة، وفي مقدمتها مشروع \"أقداري\" الذي تم الكشف عنه مؤخراً كأول منصة متكاملة للبيانات العقارية. هذا المشروع الطموح، الذي يربط أكثر من 20 جهة حكومية، يسعى إلى وضع حد للتداول العشوائي للمعلومات عبر توفير بيانات موثقة ولحظية عن التملك والتطوير، مما يعزز ثقة المستثمر الأجنبي الذي طالما عانى من غياب المعلومة الدقيقة في أسواق ناشئة أخرى .
التطور الأبرز الذي تصدر النقاشات تمثل في الإعلان عن تفعيل الربط الإلكتروني المباشر بين دائرة التسجيل العقاري ودائرة التخطيط والمساحة، حيث بات بإمكان المتعامل الآن استخراج الخرائط المعتمدة ووثائق الملكية أثناء إجراء البيع دون عناء التنقل بين المؤسسات. هذا التكامل التقني، الذي وصفه أعضاء المجلس بأنه نقلة نوعية، يختصر الزمن اللازم لإنجاز المعاملات بنسب قياسية ويحول دون نشوء نزاعات ملكية كانت تؤرق السوق في الماضي .
على صعيد موازٍ، كشفت المصادر عن اكتمال المنظومة التشريعية الداعمة لتملك غير المواطنين، حيث لم تعد الشارقة تكتفي بمنح حقوق التملك في المناطق الحرة فقط، بل وسعت نطاق التملك الحر لتشمل مشاريع سكنية متكاملة في مواقع استراتيجية كالخان والمجز ومنطقة النهدة القريبة من دبي. وتشير المعطيات إلى أن هذه التعديلات القانونية، المستندة إلى المرسوم رقم (2) لسنة 2022، منحت المستثمر الدولي حقوقاً كاملة في التملك والتصرف والإرث، وهو ما انعكس إيجاباً على تنوع الجنسيات المستثمرة في الإمارة والتي تجاوزت 120 جنسية .
أما الملف الأكثر سخونة في النقاشات فكان التحول نحو رقمنة الخدمات البنكية والتمويلية، حيث استعرض المسؤولون تجربة الربط الإلكتروني المباشر مع بنك الإمارات الإسلامي وبنك الشارقة الإسلامي، والتي تتيح الآن تسجيل وتعديل وإلغاء عقود الرهن العقاري بشكل إلكتروني مؤمن دون الحاجة للحضور الشخصي.
هذه الخدمة، التي تعمل بأعلى بروتوكولات التشفير وحماية البيانات، تفتح الباب أمام المؤسسات المالية الدولية لمنح تمويلات عقارية في السوق الشارقي بضمانات إلكترونية موثقة، مما يضخ سيولة جديدة ويعمق جاذبية الإمارة كمركز مالي عقاري إقليمي .ولم تغفل الجلسة مناقشة المبادرات التحفيزية التي تتبناها الدائرة، وفي مقدمتها الخصم بنسبة 50% على رسوم التسجيل العقاري خلال معرض \"آكريس 2026\"، إلى جانب الإطلاق المرتقب لأول نظام لحسابات الضمان (Escrow) للمشاريع العقارية.
هذا النظام البنكي الجديد سيضمن إيداع أموال المشترين في حسابات مصرفية تدريجية لا تُصرف للمطورين إلا وفق نسب الإنجاز، وهو ما يشكل ثورة في حماية حقوق المستثمرين ويقضي نهائياً على ظاهرة تعثر المشاريع العقارية التي شوهت سمعة أسواق ناشئة أخرى .
في الختام، تؤكد مخرجات هذه الجلسات أن الشارقة تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ نموذجها العقري الخاص، الذي لا يعتمد على المضاربة السريعة، بل على استدامة القيمة وجودة الحياة والشفافية الإجرائية، مما يجعلها وجهة استراتيجية للاستثمارات العقارية الدولية الباحثة عن الأمان القانوني والمرونة التشغيلية في آن واحد.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!