معضلة الكربون تطارد حلم "أعجوبة العالم الجديدة" في روتردام بين طموح الاستدامة وبصمة البناء الخرسانية
روتردام - هولندا في مفارقة معمارية لافتة كشفت مبادرة شيفت الهولندية عن القائمة القصيرة للمشاريع الخمسة المتنافسة لتصميم أعجوبة عالمية جديدة في منطقة واتركانت الساحلية بمدينة روتردام بهدف تحفيز العمل المناخي ومكافحة أزمة التنوع البيولوجي لتبرز التساؤلات حول الجدوى البيئية لمشروع تبلغ تكلفته 240 مليون يورو ويمتد على مساحة 30 ألف متر مربع ليضم فضاءات غامرة للتفاعل البيئي وفندقاً ومركزاً للمؤتمرات ومنطقة للمطاعم .
ويشارك في المسابقة نخبة من المكاتب الهندسية العالمية أبرزها هيرزوغ آند دي مورون و إم في آر دي في و ميكانو إلى جانب مكتب الابتكار السياسي و إيكوسيستيما أوربانو حيث كشف كل فريق عن رؤيته الخاصة لأعجوبة الغد التي تجمع بين الاستدامة الكاملة بنسبة 100 بالمئة والقدرة على إلهام الزوار لتبني سلوكيات صديقة للكوكب .
أما المشروع الأكثر جرأة فيأتي من مكتب إم في آر دي في الهولندي تحت اسم روتردام روكس الذي يقدم نفسه كمنظر طبيعي متراص من الصخور الحية التي تتنفس ليتحول المبنى إلى نظام بيئي حضاري متجدد مع مدخل صمم على شكل فم سلحفاة عملاقة في إشارة إلى البطء البيئي الذي تحتاجه الأرض للتعافي . وفي الجهة المقابلة يقدم مكتب ميكانو تصميماً يحمل اسم ذا هاوس أوف شيفت يركز على البعد المدني والمشاركة المجتمعية عبر ساحة عامة متدرجة تخترق كتلة المبنى لتجمع بين إعادة التدوير الطموحة وتخزين الكربون والحياد البيئي الكامل .
أما توماس هيرزوغ فيقترح عبر ستوديو هيرزوغ آند دي مورون مبنى من ستة مستويات أطلق عليه أوربان ريف مستوحى من الشعاب المرجانية ليكون فضاءات متعددة الطبقات تجمع الناس معاً وتبني الوعي المناخي وتظهر كيف يمكن للمبنى أن يشجع أنماط حياة أخف وأكثر استدامة .
ويكتمل المشهد بمشاركة مكتب الابتكار السياسي الإسباني بالتعاون مع كيان أركتيكتن و لولا لاندسكيب آركتيكتن الهولنديين حيث يقدمون المبنى كقطاع مناخي حي لا يعمل كنصب تذكاري بل كمقطع تشغيلي عبر العالم كما يتشكل ليكون فضاء يستشعر المناخ ويفهمه ويعيد تشكيله بشكل جماعي .
ويختتم القائمة مشروع إيكوسيستيما أوربانو الذي يشبه هيكلاً نباتياً متتالياً تصل بينه سلالم خارجية ليعمل كنظام معيشي متجدد يدمج الفضاء العام مع الأداء البيئي ويعزز التنوع البيولوجي ويقوي الروابط بين المجتمعات المحلية والشبكات البيئية الأوسع .
ولكن المفارقة الكبرى التي تفرض نفسها على هذا السباق المعماري الطموح تتعلق بالبصمة الكربونية لمواد البناء حيث تكشف الأبحاث المتخصصة أن الفولاذ الإنشائي يتصدر قائمة المواد الأكثر إطلاقاً للكربون بمعدل يتراوح بين 3.2 إلى 3.6 طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل طن بينما تتراوح انبعاثات الخرسانة الجاهزة بين 0.11 إلى 0.15 طن فقط .
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن قطاع البناء والتشييد مسؤول عن نحو 37 بالمئة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية حيث يستمر العالم في إضافة مساحات مبنية تعادل حجم مدينة باريس كل خمسة أيام . وفي خضم هذا الجدل العلمي تبرز البدائل المستدامة كخيار استراتيجي للمشاريع الكبرى حيث يمكن للبناء بالأحجار الطبيعية أن يخفض الانبعاثات الكربونية بنسبة تصل إلى 90 بالمئة مقارنة بالخرسانة المسلحة والصلب .
كما تؤكد مشاريع الاتحاد الأوروبي الطموحة على إمكانية تحقيق بناء خالٍ من الكربون بنسبة 100 بالمئة عبر توظيف المواد الحيوية التي تخزن الكربون إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة وممارسات البناء الدائرية التي تعزز الإنتاجية بأكثر من 30 بالمئة .
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً يتردد في أروقة المسابقة الدولية الجديدة قبل إعلان الفائز نهاية الربيع المقبل من قبل لجنة تحكيم تضم أريك تشين مدير مؤسسة زها حديد وبين فان بيركل مؤسس يونيت ستوديو والممثلة كاريس فان هوتن فهل يمكن لصناع القرار أن ينتصروا لرؤية الأعجوبة الخضراء على حساب إغراءات الخرسانة والصلب أم أن معضلة الكربون ستبقى تطارد أحلام العمران المستدام في وجه التحديات المناخية المتسارعة.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!