الرياض - السعودية في خطوة تعكس مرونة الرؤية السعودية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتقنية العالمية، تشهد مشروعات \"نيوم\" العملاقة مرحلة إعادة هيكلة شاملة تهدف إلى تحقيق أقصى عائد استراتيجي يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030، حيث كشفت المصادر المطلعة عن تحول جذري في مفهوم مشروع \"ذا لاين\" ليصبح مركزاً عالمياً للبيانات وحاضنة رئيسية لتقنيات الذكاء الاصطناعي بدلاً من التركيز على البعد السكني فحسب .
ويأتي هذا التحول في إطار المراجعة الشاملة التي أجرتها إدارة المشروع على مدار العام الماضي، والتي أسفرت عن إعادة تقييم الأولويات بما يواكب التوجهات العالمية في مجال الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة، حيث تشير التقديرات إلى أن التكلفة الإجمالية للمشروع كانت قد قفزت إلى مستويات غير مسبوقة قدرت بنحو 8.8 تريليون دولار في حال الاستمرار بالخطة الأصلية، مما استدعى تبني منهجية أكثر استدامة تعتمد على التنفيذ المرحلي والتركيز على القطاعات الواعدة . ويؤكد المسؤولون في نيوم أن الخطة الرئيسية للمشروع لا تزال قائمة بطول 170 كيلومتراً، لكنها ستنفذ على مراحل تبدأ بجزء ساحلي يمتد لمسافة 2.4 كيلومتر فقط بحلول عام 2030، يتسع لحوالي 300 ألف نسمة بدلاً من المليون ونصف المليون الذين كانوا مستهدفين سابقاً .
ويتميز الموقع الاستراتيجي لنيوم على ساحل البحر الأحمر بمزايا تنافسية فريدة تجعله الخيار الأمثل لاستضافة مراكز بيانات الجيل التالي، حيث توفر مياه البحر إمكانية التبريد الطبيعي للمرافق التقنية العملاقة بتكاليف تشغيلية منخفضة، إلى جانب الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة الوفيرة من الشمس والرياح لتشغيل هذه المنشآت بطاقة نظيفة ومستدامة . كما أن الموقع الجغرافي الذي يقع عند ملتقى قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا يتيح للمملكة فرصة لأن تصبح بوابة رقمية عالمية تخدم الأسواق الرئيسية في ثلاث قارات، مما يعزز مكانتها في سباق التحول الرقمي العالمي . وقد تم بالفعل توقيع اتفاقيات استراتيجية مع كبرى الشركات العالمية لتطوير بنية تحتية رقمية متطورة، من بينها مشروع بقيمة 5 مليارات دولار مع شركة \"داتافولت\" لإنشاء أول مجمع متكامل لمراكز البيانات العاملة بالطاقة النظيفة في منطقة الشرق الأوسط، والمقرر افتتاحه بحلول عام 2028 بطاقة استيعابية تصل إلى 1.5 جيجاواط .
وتأتي هذه التحولات في سياق أوسع يشمل جميع مشروعات \"نيوم\" الكبرى، حيث تتواصل الأعمال الإنشائية في مدينة أوكساغون الصناعية التي تشهد توسعات كبيرة في مرافق الميناء والمنطقة الصناعية المتطورة المخصصة للتقنيات النظيفة والروبوتات والصناعات المتقدمة . وفي منطقة تروجينا الجبلية، تتقدم الأعمال لإنشاء أكبر بحيرة صناعية في المملكة بمساحة 1.5 كيلومتر مربع، بالتعاون مع شركة ويبولد الإيطالية العملاقة التي تتولى بناء ثلاثة سدود لتشكيل هذه البحيرة التي تمتد لمسافة 2.8 كيلومتر، إضافة إلى تطوير منتجعات فندقية راقية تديرها علامات عالمية مثل رافلز وأنانتارا . وفي مجال الضيافة الفاخرة، تم الإعلان عن سلسلة من المشروعات السياحية المتميزة على خليج العقبة تشمل منتجعات جيدوري وتريام وإيلانان وزاردون، إلى جانب المجمعات السكنية المتكاملة في نورلانا وأوتامو وإيبيكون التي تقدم نمط حياة عصري يدمج بين الفخامة والطبيعة .
ويؤكد الخبراء والمحللون الدوليون أن هذا التحول الاستراتيجي يمثل نضجاً في الرؤية السعودية وانتقالاً من مرحلة \"البناء بأي ثمن\" إلى مرحلة \"الإنفاق الذكي\" الذي يركز على تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة، خاصة مع انخفاض أسعار النفط عالمياً وارتفاع تكاليف الاقتراض، مما يستدعي إعادة ترتيب الأولويات الوطنية .
ويشير وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم إلى أن المشروعات الكبرى تخضع لتقييم مستمر لضمان تحقيق أفضل النتائج بأعلى كفاءة، مع التركيز على تنفيذ البنية التحتية اللازمة لاستضافة الأحداث العالمية المرتقبة مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، والتي تشكل محفزات رئيسية لتسريع وتيرة التنمية . وفي هذا السياق، يعمل صندوق الاستثمارات العامة على تطوير استراتيجيته للخمس سنوات القادمة (2026-2030) التي تركز على قطاعات التعدين والصناعات المتطورة والذكاء الاصطناعي والسياحة، مع تخفيض تدريجي للإنفاق على المشروعات الضخمة غير المربحة .
وتمثل إعادة هيكلة مشروعات نيوم نموذجاً متقدماً للتخطيط التنموي المرن الذي يستجيب للمتغيرات دون التخلي عن الطموحات الكبرى، فالانتقال من نموذج المدينة الخطية التقليدية إلى إنشاء بنية تحتية رقمية متطورة للذكاء الاصطناعي يعكس رؤية بعيدة المدى تضع المملكة في مصاف الدول الرائدة في اقتصاد المستقبل.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!