الرياض - السعودية تعود المساهمات العقارية إلى السوق السعودية بهوية مؤسسية متكاملة بعد غياب دام سنوات بسبب تجارب سابقة اتسمت بالعشوائية والتعثر، لتعيد تشكيل المشهد الاستثماري العقاري في المملكة عبر منظومة تشريعية حديثة تضمن حقوق جميع الأطراف وتعزز الشفافية، ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه السوق العقارية السعودية زخماً غير مسبوق، حيث تمت تغطية أول طرح منظم لمساهمة عقارية بالكامل في غضون 12 دقيقة فقط، وهو ما وصفه المسؤولون بأنه مؤشر على مستوى الثقة التي بلغتها السوق في مرحلة ما بعد التشريعات الجديدة.
وتقوم الفلسفة الجديدة للمساهمات العقارية على إحاطة المشروع بحوكمة صارمة تبدأ من تقديم دراسة جدوى معتمدة من المطور، مروراً بإشراف المستشار الهندسي والمحاسب القانوني، وصولاً إلى وجود مدير مساهمة وشركة مالية متخصصة تتولى جمع الأموال، وقد تم منع الأفراد من جمع أموال المساهمين بشكل مباشر، مع تحديد حد أعلى لجمع الأموال بمبلغ 100 مليون ريال للمساهمة الواحدة، بينما يصل إلى 300 مليون في حال وجود دخول عيني من مالك الأرض، ويُتاح الدخول في هذه المساهمات بحد أدنى يبدأ من 1000 ريال، مما يتيح لشريحة واسعة من المستثمرين المشاركة في المشاريع العقارية الكبرى.
وكشف مسؤولون في شركة صكوك المالية التي قادت أول طرح منظم أن الشركة تستقبل طلبات تمويل ومساهمات عقارية من أكثر من 16 ألف شركة مسجلة، إلى جانب 600 ألف مستثمر من الأفراد والمؤهلين والشركات، ويتوقع خلال النصف الأول من العام الجاري طرح نحو 50 مساهمة عقارية تقدمت بها شركات عقارية بعد استيفاء المتطلبات النظامية، حيث يتم دراسة الطلبات عبر منصة إلكترونية تشمل مراجعة دراسة الجدوى وصك الأرض من قبل مختصين في الاستثمار والائتمان، ثم استكمال الموافقات النظامية عبر الهيئة العامة للعقار وهيئة السوق المالية قبل الطرح الفعلي.
ويشير المختصون إلى أن التجارب السابقة للمساهمات العقارية تعود إلى بدايات مبكرة من القرن الماضي، حيث كانت تدار كنشاط أهلي تقليدي قائم على الثقة الشخصية، وشهدت السوق خلال تلك الفترة مساهمات ضخمة تحول بعضها إلى ملفات تعثر معقدة استمر حلها لسنوات طويلة، ومن أبرزها مساهمة شاطئ القطيف التي بيعت أرضها في صفقة تجاوزت 4 مليارات ريال، ومساهمة فجر أبها التي أعيد من خلالها مليارات الريالات لأكثر من 25 ألف مساهم، كما تجاوز عدد المساهمات المتعثرة في بعض الفترات 650 مساهمة، مما دفع الجهات المختصة إلى التدخل وتشكيل لجان متخصصة لتصفية هذه المساهمات وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وأسفرت هذه الجهود عن استرداد أكثر من 17 مليار ريال لصالح المساهمين حتى عام 2023.
وتأتي التشريعات الجديدة لتنتقل بالسوق من مرحلة العلاج إلى مرحلة المنع، حيث تم دمج نظام المساهمات العقارية ضمن نظام الاستثمار العقاري الجديد مطلع العام الجاري، مع فرض عقوبات رادعة على المخالفين وآليات رقابة مستمرة تضمن فصل أموال المساهمات وإلزام المطورين بالإفصاح الكامل، ويؤكد المتخصصون أن نجاح هذه المرحلة الجديدة مرهون بصرامة تطبيق الأنظمة وجودة اختيار المشاريع، خاصة مع توجه المطورين لطرح مشاريعهم كمساهمات عقارية نظراً لحاجة السوق وارتفاع الطلب على المنتجات العقارية والحاجة لتوفر السيولة اللازمة لدعم المشاريع التطويرية، ويتوقع الخبراء أن تحقق هذه المشاريع عوائد تتراوح بين 30 و40 في المئة خلال فترة تتراوح بين سنة ونصف وسنتين، مما يعزز من جاذبية هذا النمط الاستثماري في سوق لم يعد يقبل المغامرات غير المحسوبة.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!