الكويت - العاصمة
تشهد السوق العقارية في الكويت مرحلة استثنائية من التقلبات الحادة التي تحمل في طياتها ملامح تحول استراتيجي طويل الأجل فبينما تشير بيانات الأسبوع الأول من مارس 2026 إلى تراجع مقلق في التداولات حيث انخفضت قيمة الصفقات المنفذة إلى 35.85 مليون دينار كويتي بانخفاض نسبته 41.8% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، تكشف القراءة المتعمقة للمشهد عن ديناميكيات أكثر تعقيداً تعيد تشكيل قواعد اللعبة.
اللافت في الأداء الحالي هو الغياب التام للقطاع التجاري عن التداولات خلال الأسبوع الأول من مارس للمرة الأولى منذ أشهر، وهو ما يعكس حالة من الترقب الحاد في أوساط المستثمرين المؤسسيين على وقع التوترات الإقليمية وفي المقابل، يبدو أن القطاع الاستثماري يسجل تحولاً في السلوك حيث ارتفع عدد الصفقات المنفذة في يناير 2026 بنسبة 6.5% لكن قيمتها الإجمالية انخفضت بنسبة 37.4% وهو ما يؤكد توجه المستثمرين نحو اقتناص وحدات متوسطة السعر بدلاً من الأصول الضخمة في إطار إعادة تقييم شاملة للعوائد والمخاطر.
غير أن النظرة المستقبلية تحمل بشائر إيجابية مدعومة بحزمة تشريعات وإصلاحات غير مسبوقة فمنذ بداية العام دخل قانون مكافحة احتكار الأراضي حيز التنفيذ بفرض رسوم سنوية تصل تدريجياً إلى 100 دينار للمتر المربع على الأراضي الفضاء التي تتجاوز مساحتها 1500 متر مربع، وهو ما دفع الملاك إلى تسريع وتيرة التطوير أو التخارج مما سيضخ معروضاً جديداً في السوق ويحد من الممارسات الاحتكارية.
وفي خط موازٍ، تستعد البلاد لإقرار قانون التمويل العقاري الجديد الذي ينتظره السوق بفارغ الصبر حيث تتوقع مؤسسة النقد الكويتي أن يسهم هذا التشريع في تعزيز الطلب بصورة كبيرة عبر تمكين المواطنين من الحصول على تمويل ميسر لشراء الوحدات السكنية، مما سينعش حركة البيع في القطاع الخاص الذي سجل بالفعل ارتفاعاً في عدد صفقاته بنسبة 8.8% خلال يناير الماضي.
وعلى صعيد المشروعات الكبرى، تتجه الأنظار إلى محرك النمو الحقيقي المتمثل في مشاريع المدن الإسكانية الجديدة التي تشرف عليها المؤسسة العامة للرعاية السكنية، فوفقاً لتصريحات رسمية، تمتلك الكويت محفظة مشروعات ضخمة قيد التنفيذ تصل قيمتها إلى 36 مليار دولار تشمل مدناً متكاملة مثل جنوب سعد العبدالله وجنوب صباح الأحمد وجنوب عبدالله المبارك التي تشهد تنفيذ أنظمة طاقة شمسية متطورة بالتعاون مع وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة لتكون نموذجاً للمدن الذكية المستدامة.
وتبرز مدينة جنوب سعد العبدالله التي تبلغ مساحتها 64 كيلومتراً مربعاً كأحد أكبر المشروعات في المنطقة حيث ينفذ تحالف بقيادة شركة المقاولات الصينية العملاقة \"جي زو بانغ\" المرحلة الأولى من البنية التحتية في إطار شراكة استراتيجية تجمع رؤية الكويت 2035 مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، ومن المتوقع أن توفر هذه المدينة وحدها سكناً يليق بأكثر من 150 ألف مواطن، مما سيحدث نقلة نوعية في ملف الإسكان ويخلق طلباً مشتقاً هائلاً على الخدمات والمرافق.
ويبقى السؤال الأهم: هل يعاني السوق من ركود حقيقي أم أنه يمر بمرحلة تصحيح ضرورية تمهد لانطلاقة قوية بدعم من تضافر عوامل المحفزات التشريعية والمشروعات العملاقة وتحول سلوك المستثمرين نحو مزيد من الواقعية والشفافية، وهو ما يعزز مكانة الكويت كوجهة واعدة للاستثمار العقاري الخليجي على المدى المتوسط.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!