دبي - الإمارات في تحديث هام لتقييم أداء الاقتصاد الإماراتي في ظل الظروف الإقليمية الاستثنائية، أكدت وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني أن القطاع العقاري في دبي يواصل إظهار مرونة لافتة على الرغم من التوترات الجيوسياسية الكبيرة والحرب الدائرة في المنطقة والتي ألقت بظلالها الثقيلة على مختلف القطاعات الاقتصادية، لاسيما السياحة والسفر حيث تشير التقديرات إلى أن القطاع السياحي في الشرق الأوسط يتكبد خسائر يومية هائلة تصل إلى نحو 600 مليون دولار مع تراجع حاد في أعداد الزوار الدوليين وإلغاء جماعي واسع النطاق للحجوزات الفندقية في المدن الرئيسية، ومن بينها دبي التي كانت حتى وقت قريب تستقبل ملايين السياح من مختلف أنحاء العالم.
وجاء تأكيد الوكالة لتصنيف الإمارات عند درجة AA- مع نظرة مستقبلية مستقرة ليعزز الثقة في قدرة الدولة على استيعاب الصدمات الخارجية والتعامل مع التداعيات السلبية للحرب التي طالت حتى الحي المالي في دبي حيث سقطت شظايا محدثة أضراراً طفيفة لكنها زادت من مخاوف المستثمرين والزوار، وألقت بظلال من القلق على المشهد العام لمدينة كانت تعج بالحياة وتحولت بعض مناطقها إلى أشباه مدن أشباح في ذروة الأزمة، ورغم كل هذه التحديات الجسيمة التي تهدد قطاعاً حيوياً يشكل نحو 13 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة ويوفر فرص عمل لنحو 925 ألف شخص معظمهم من العمالة الأجنبية، يواصل سوق دبي العقاري تحقيق أرقام مبهرة تؤكد متانة أساسياته وقدرته على تجاوز الأزمات.
وشهدت تعاملات منتصف الأسبوع صفقات كبرى تمثلت في بيع شقة فاخرة في منطقة جميرا الثانية ضمن مشروع أمان رزيدنسز دبي بقيمة 48.12 مليون درهم، أي ما يعادل حوالي 13.1 مليون دولار أمريكي وبمتوسط سعر 12582 درهماً للقدم المربع الواحدة، وهو سعر قياسي يعكس المكانة المتميزة للمنطقة والطلب المتواصل على الوحدات السكنية الفاخرة في دبي حتى في أصعب الظروف، كما تم بيع فيلا فاخرة ضمن مشروع أمالفي في جزر دبي بقيمة 24 مليون درهم على مساحة 2595 قدماً مربعة وبمتوسط 9247 درهماً للقدم، إضافة إلى صفقة بيع قطعة أرض استراتيجية في منطقة قصور جزر جميرا بقيمة 37 مليون درهم على مساحة 12560 قدماً مربعة وبمتوسط 2946 درهماً للقدم.
وتؤكد هذه المعاملات العقارية الكبرى أن المستثمرين الأذكياء ينظرون إلى ما هو أبعد من التقلبات المؤقتة ويراهنون على القيمة الحقيقية للأصول في مدينة أثبتت عبر الأزمات المتعاقبة أنها ملاذ آمن للاستثمارات العقارية بفضل السياسات الحكومية المرنة والتشريعات المحفزة التي تتيح التملك الحر للمستثمرين الأجانب، وتوفر بيئة استثمارية مستقرة وسط إقليم مضطرب، ويتوزع النشاط العقاري على ثلاث مناطق استراتيجية في دبي تؤكد جميعها أن الطلب يتركز بشكل أساسي على المشاريع النوعية والمواقع المتميزة التي توفر نمط حياة فاخراً وخدمات متكاملة، فمنطقة جميرا الثانية حيث تم بيع الشقة الأغلى تعتبر من أكثر المناطق طلباً بفضل قربها من المعالم الحيوية والمرافق الترفيهية وشواطئ دبي الشهيرة، فيما تمثل جزر دبي وقصور جزر جميرا وجهات حصرية تجذب كبار المستثمرين الباحثين عن خصوصية استثنائية ومواقع فريدة على الماء.
ويعزو مراقبون هذا النشاط الملحوظ إلى عدة عوامل أبرزها استمرار الطلب المحلي القوي من المواطنين والمقيمين الراغبين في الاستفادة من الفرص المتاحة قبل أي زيادات محتملة في الأسعار، إضافة إلى تحول بعض رؤوس الأموال الإقليمية من أسواق مجاورة متوترة إلى سوق دبي الذي أثبت على مدى سنوات قدرته على استيعاب الصدمات الخارجية بفضل قاعدته الاقتصادية المتينة وتنوع مصادر الدخل، وتعمل الجهات المختصة في الإمارة على تعزيز هذه المرونة عبر مبادرات متعددة تهدف إلى زيادة الشفافية وتسهيل إجراءات التسجيل والتمويل العقاري، فيما يتابع المستثمرون عن كثب تطورات الأوضاع الإقليمية على أمل أن يسهم أي انفراج قادم في عودة التدفقات السياحية والاستثمارية بقوة أكبر إلى السوق.
ويبقى التحدي الأكبر مرتبطاً بعودة الاستقرار إلى المنطقة برمتها حيث يرتبط مصير التعافي السريع ارتباطاً وثيقاً بوقف التصعيد العسكري وعودة الثقة إلى نفسية المستثمرين والسائحين على حد سواء، لكن المرونة التي أظهرها القطاع العقاري حتى الآن تبعث على التفاؤل بأن دبي قادرة على تجاوز هذه المحنة كما تجاوزت محن سابقة، بفضل رؤيتها الثاقبة وإرادتها الصلبة في بناء اقتصاد متنوع وقوي لا تعصف به التقلبات الخارجية بسهولة.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!