الرياض - السعودية
كشفت بيانات رسمية صادرة عن البنك المركزي السعودي عن استمرار موجة التباطؤ في قطاع التمويل العقاري السكني، حيث سجلت القروض العقارية الجديدة المقدمة للأفراد انخفاضا حادا خلال شهر فبراير الماضي. وبحسب النشرة الإحصائية الشهرية، فقد تراجع إجمالي التمويل العقاري بنسبة 39.7% على أساس سنوي ليصل إلى نحو 5.4 مليار ريال سعودي، وذلك مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي .
مع ذلك، وفي تطور لافت يستحق التحليل، أظهرت البيانات أن هذا التراجع جاء بأبطأ وتيرة له خلال الأشهر الأربعة الماضية، مقارنة بالانخفاضات الحادة التي شهدتها السوق في نهاية العام الماضي. ويمكن تفسير هذا الأداء بأن السوق العقارية السعودية ربما بدأت في اجتياز أسوأ مراحل موجة التصحيح الحالية، إذ بدأت المؤشرات تظهر علامات على بدء استيعاب الصدمات التنظيمية والاقتصادية المتتالية .
يتزامن هذا التباطؤ في الإقراض مع سياق اقتصادي دقيق، حيث تعمل المملكة على تطبيق حزمة من التشريعات الجديدة الهادفة إلى تنظيم السوق وزيادة نضجها المالي. ومن أبرز هذه الإجراءات توسعة نطاق رسوم \"الأراضي البيضاء\" وإقرار لوائح جديدة لتملك غير السعوديين للعقارات، والتي دخلت حيز التنفيذ مطلع العام الحالي. وفي هذا السياق، يرى خبراء \"دي لاويت\" أن السوق تمر حاليا بمرحلة انتقالية للتكيف مع هذه اللوائح الجديدة، متوقعين أن تصبح مؤشرات الأداء أوضح مع نهاية الربع الأول من عام 2026 .
لا يمكن فصل هذه الأرقام عن البيئة الكلية لأسعار الفائدة؛ فمع استمرار البنك المركزي السعودي في تثبيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة (4.25%) للحفاظ على استقرار العملة، أصبحت تكلفة الاقتراض تشكل عبئا إضافيا على الأفراد. وقد تجلى تأثير ذلك بوضوح في الإحصائيات المصاحبة، حيث سجلت قيمة المعاملات العقارية السكنية انهيارا بنسبة 56%، في حين انخفض عدد الصفقات المبرمة بنسبة 45% خلال فبراير مقارنة بالعام السابق .
وفي مقابل التباطؤ في قطاع البيع والتمويل، يظهر سوق الإيجار أداء معاكسا تماما، مما يعكس تحولاً في أنماط الطلب. فمع عزوف شريحة كبيرة من المستهلكين عن الالتزام بأقساط التمويل المرتفعة، ارتفعت قيمة عقود الإيجار السكني بنسبة 85% على أساس سنوي، وزاد عددها بنسبة 37%. تعزز هذه الظاهرة الاتجاه السائد حاليا في السوق نحو \"الإيجار\" كخيار مفضل في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي .
وعلى صعيد التوزيع الجغرافي، لا تزال منطقة الرياض تحتفظ بموقع الريادة رغم التراجع العام، إذ تستحوذ على ما يقرب من 47% من إجمالي قيمة التداولات العقارية في المملكة، تليها منطقة مكة المكرمة. هذا التركيز يعكس مرونة العاصمة واقتصادها المتنوع، الذي يواصل جذب الاستثمارات رغم الظروف الصعبة. ومع ذلك، يؤكد المسؤولون أن الأسواق تشهد حاليا مرحلة تأهيل لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، ومن المتوقع أن تظهر النتائج الإيجابية الكاملة لهذه الإصلاحات في السوق بحلول نهاية عام 2027 .
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!