عمّان، الأردن
أعلنت سلطة إقليم البترا التنموي السياحي في المملكة الأردنية الهاشمية عن إنجاز مرحلة تنظيمية محورية تتمثل في بدء استقبال طلبات تملك وتأجير الأراضي والعقارات خارج حدود محمية البتراء الأثرية المصنفة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي. يأتي هذا الإعلان بعد إقرار مجلس مفوضي السلطة اعتماد النماذج الرسمية الخاصة بالطلبات استناداً إلى \"نظام تأجير وتملك الأموال غير المنقولة\"، مما يمثل تحولاً استراتيجياً نحو تنظيم الاستثمار العقاري في إحدى أبرز الوجهات التاريخية على مستوى العالم.
إطار قانوني صارم لجذب استثمارات نوعية
صرح الدكتور فارس البريزات، رئيس مجلس مفوضي السلطة، بأن النظام قد استكمل جميع أطره التشريعية والتنظيمية بعد نشره في الجريدة الرسمية، مما مكّن من الشروع في المرحلة التنفيذية. وأكد البريزات أن النظام يهدف إلى \"تحقيق المنفعة العامة لأهالي المنطقة والمستثمرين ومالكي الأراضي\"، عبر تحويل الملكيات الخاصة إلى فرص استثمارية حقيقية تتوافق مع توجهات الحكومة في دعم التنمية المحلية المستدامة وخلق فرص العمل. ولضمان الحوكمة الرشيدة، قرر المجلس تشكيل لجنة خاصة لتأجير وتملك الأموال غير المنقولة برئاسة مفوض البنية التحتية والاستثمار وعضوية خبراء متخصصين، بما في ذلك ممثل عن دائرة الأراضي والمساحة الأردنية.
توازن دقيق بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على التراث
يتمثل التحدي الرئيسي في هذه المبادرة في تحقيق التوازن بين أهداف التنمية الاقتصادية وضرورات الحفاظ على الإرث التاريخي والطبيعي الاستثنائي لمنطقة البتراء. ويأتي النظام الجديد كإجابة عملية على هذا التحدي، حيث يسمح بتنشيط الاستثمار في المناطق المحيطة بالمحمية مع وضع ضوابط صارمة لضمان عدم المساس بالنسيج الأثري والبيئي للموقع التاريخي. من المتوقع أن تستقطب هذه الخطوة استثمارات محلية ودولية في قطاعات السياحة والضيافة والخدمات التكميلية، مما يساهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاقتصاد المحلي في محافظة معان.
نموذج للشراكة بين القطاعين العام والخاص في حماية التراث العالمي
تُعد هذه المبادرة نموذجاً ملهماً للشراكة البناءة بين القطاعين العام والخاص في إدارة المواقع التراثية العالمية. فمن خلال وضع إطار قانوني واضح وشفاف، تهدف السلطة إلى تشجيع المستثمرين على المشاركة في تطوير البنية التحتية والخدمات الداعمة للسياحة، مع ضمان التزام جميع المشاريع بأعلى معايير الحفظ والاستدامة. ويعكس هذا النهج التزام الأردن المتواصل بتطبيق أفضل الممارسات الدولية في إدارة التراث الثقافي، كما ينذر بفصل جديد من التعاون التنموي الذي يضع المجتمعات المحلية في صلب عملية صنع القرار.
تأثيرات إقليمية ودولية متوقعة
يأتي إطلاق هذا البرنامج الاستثماري المنضبط في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحولات اقتصادية كبرى تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز القطاعات غير النفطية. ومن المتوقع أن يلفت نجاح هذه المبادرة الانتباه الدولي إلى النموذج الأردني في إدارة التوازن بين التنمية والحفاظ على التراث، مما قد يحفز دولاً أخرى تمتلك مواقع تاريخية مماثلة على تبني سياسات مشابهة. كما سيعزز من مكانة الأردن كوجهة جاذبة للاستثمارات السياحية والثقافية المستدامة، ويدعم مساعي المملكة لزيادة أعداد الزوار إلى موقع البتراء الذي يعد أحد عجائب الدنيا السبع الجديدة.
تمثل خطوة سلطة إقليم البترا نقلة نوعية في فلسفة إدارة المواقع التراثية عالمياً، حيث تتحول من نموذج الحماية الصارمة إلى نموذج التنمية المتوازنة الذي يجمع بين صون التراث وتحفيز الاقتصاد. ومن خلال هذا النظام المتكامل، تضع الأردن أساساً متيناً لتحويل التحديات المرتبطة بحماية التراث إلى فرص استثمارية ذكية تخدم أهداف التنمية المستدامة وتضمن الحفاظ على إرث البتراء للأجيال القادمة، مع توفير حياة كريمة للمجتمعات المحلية التي تحيط بهذا الكنز التاريخي الفريد.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!