مدريد، إسبانيا
تشهد إسبانيا تحولاً جوهرياً في سياساتها العقارية التي تطال آلاف المستثمرين الدوليين، ومن بينهم شريحة كبيرة من المستثمرين المغاربة الذين اعتبروا البلاد وجهة مفضلة لاقتناء المساكن الثانوية والعقارات المدرة للدخل. أطلقت حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز حملة تشريعية ورقابية واسعة النطاق تستهدف قطاع الكراء السياحي قصير الأمد، في محاولة لحل أزمة السكن المتفاقمة في المراكز الحضرية الكبرى والتي دفعت العديد من السكان المحليين إلى مغادرة مدنهم.
تعود جذور هذه الإجراءات إلى تفاقم أزمة الإسكان الميسور في مدن إسبانيا الرئيسية، حيث أدى الانتشار المتسارع للعقارات المكراة للسياح عبر منصات الحجز العالمية مثل \"إير بي إن بي\" و \"بوكينغ\" إلى ندرة كبيرة في المعروض من الوحدات السكنية المخصصة للإيجار طويل الأمد. وقد ركزت الحملة الحكومية جهودها على المدن الأكثر تضرراً مثل برشلونة ومدريد ومالاغا وماربيا، حيث تسعى السلطات إلى سحب نحو 54 ألف إعلان عقاري من هذه المنصات الإلكترونية خلال المرحلة المقبلة وإعادتها إلى سوق الإيجار السكني التقليدي.
تفرض التشريعات الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ مجموعة صارمة من المتطلبات الإدارية والقانونية على ملاك العقارات الراغبين في متابعة نشاط الكراء السياحي. وأصبح الحصول على موافقة صريحة من 60% على الأقل من ملاك الشقق داخل البناية الواحدة شرطاً إلزامياً لمزاولة النشاط، إلى جانب التسجيل الإلزامي للعقار في سجل وطني خاص والحصول على رقم ترخيص واضح يجب إدراجه في جميع الإعلانات. كما تلتزم المنصات الرقمية بحذف أي عرض لا يتوفر على هذا الرقم المرجعي، بينما يجب على الوحدات العقارية نفسها الالتزام بمعايير تقنية محددة تشمل تجهيزات أساسية وتأمينات خاصة.
رغم صرامة هذه الإجراءات، يؤكد خبراء القطاع العقاري أن الوضع لا يدعو إلى القلق المفرط للمستثمرين المنظمين الذين يلتزمون بالتشريعات السارية. ويرى المراقبون أن الهدف الأساسي للحملة يتمثل في محاربة أنشطة الكراء غير القانوني وما يُعرف محلياً بـ \"الفنادق السرية\" المنتشرة في مراكز المدن، وليس استهداف الاستثمارات المرخصة والمنظمة. وفي المقابل، تبدو العقارات الواقعة في المناطق السياحية البحتة مثل سواحل الكوستا أقل عرضة للضغوط المجتمعية، لكنها لا تُعفى من الالتزام بجميع المتطلبات الإدارية الجديدة.
كثفت السلطات الإنسانية من وتيرة المراقبة والرقابة، حيث تم توسيع نطاق المتابعة ليشمل حتى الأنشطة المنشورة عبر منصات التواصل الاجتماعي. وتُظهر هذه الإجراءات المتكاملة رسالة واضحة للمستثمرين الدوليين مفادها أن تحقيق العوائد من العقارات الإسبانية لا يزال ممكناً، لكن ضمن إطار تنظيمي جديد يرتكز على الشفافية والتصريح القانوني وأداء الالتزامات الضريبية المحلية.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!