بكين، الصين
في خطوة استراتيجية لمواجهة أحد أكبر التحديات الاقتصادية الداخلية، أعلنت الحكومة الصينية عن إطلاق خطة خمسية شاملة تهدف إلى تعزيز استقرار سوق العقارات، وذلك اعتباراً من عام 2026 حتى عام 2030. تأتي هذه الخطة بعد ثلاث سنوات متتالية شهد خلالها القطاع العقاري، الذي كان يُعد أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في البلاد، تدهوراً ملحوظاً أدى إلى انخفاض مستمر في أسعار المساكن وتراجع ثقة المستثمرين والمستهلكين على حد سواء.
تحول جذري في استراتيجية التنمية العقارية
صرح الخبير في الشؤون الصينية تشو شيوان خلال مقابلة مع \"العربية Business\" أن هذه الخطة تمثل تحولاً جذرياً في نموذج التنمية الصيني، ليس فقط في قطاع العقارات بل يمتد تأثيرها إلى قطاعات حيوية أخرى مثل الطاقات المتجددة والصناعات التكنولوجية المتقدمة. وأضاف شيوان أن الحكومة تعمل حالياً على معالجة النقص الحاصل في السوق من خلال التركيز على تحسين جودة وكمية الوحدات السكنية، مما يعكس انتقالاً من نموذج التوسع السريع إلى نموذج أكثر استدامة يرتكز على الاستقرار الطويل الأمد.
مكونات الخطة الخمسية وآليات التنفيذ
وفقاً للبيان الرسمي الصادر عن وزارة الإسكان والتنمية الحضرية والريفية الصينية، ستركز الخطة على ثلاث ركائز رئيسية: التنفيذ القوي لمشاريع تجديد المدن القديمة، والعمل على استقرار سوق العقارات بشكل عام، والحد من المخاطر النظامية المتراكمة في القطاع المالي المرتبط بالعقارات. كما ستسعى الخطة إلى تحسين المعروض من المساكن الميسورة التكلفة لمواجهة أزمة الإسكان في المدن الكبرى. يأتي هذا الإعلان في وقت تشير فيه البيانات الرسمية إلى انخفاض أسعار المساكن الجديدة في 70 مدينة صينية كبيرة ومتوسطة الحجم خلال نوفمبر الماضي مقارنة بأكتوبر.
سياق الأزمة وأبعادها الاقتصادية
يأتي إطلاق هذه الخطة الطموحة في لحظة حرجة يشهد فيها الاقتصاد الصيني تحولاً هيكلياً عميقاً، حيث انخفضت مساهمة قطاع العقارات في الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير بعد أن كانت تشكل حجر الزاوية في نمو البلاد لعقود. فقد انخفض متوسط أسعار المساكن الجديدة في المدن الأربع الكبرى (بكين، شنغهاي، قوانغتشو، شنتشن) بنسبة 0.4% شهرياً، بينما سجلت أسعار المدن المتوسطة انخفاضاً بنسبة 0.3%، والمدن الصغيرة بنسبة 0.4%. وتعمل الحكومة حالياً على معالجة الدين الهائل للمطورين العقاريين الذي يقدر بعشرات المليارات من الدولارات، مع محاولة تجنب تأثير الدومينو على القطاع المالي الأوسع.
تأثيرات محتملة على الاقتصاد العالمي
يمثل استقرار سوق العقارات الصيني عاملاً حاسماً للاستقرار الاقتصادي العالمي، نظراً لحجم الاقتصاد الصيني وارتباطاته الدولية المتشعبة. يُتوقع أن يؤدي تنفيذ الخطة الخمسية بنجاح إلى استعادة الثقة في الأسواق الناشئة وتوفير دفعة للسلع الأساسية العالمية المرتبطة بالبناء. وقد بدأت تأثيرات هذه السياسة الجديدة تظهر بالفعل، حيث أعلنت الصين مؤخراً عن زيادة الإنفاق على البنية التحتية بنسبة 8% في موازنة 2025، مما يعكس التزاماً باستخدام الأدوات المالية لدعم الاقتصاد الحقيقي.
تضع الخطة الخمسية الجديدة سوق العقارات الصيني على مفترق طرق تاريخي، حيث تنتقل البلاد من نموذج النمو القائم على المضاربة والعقارات إلى نموذج أكثر توازناً يركز على الجودة والاستدامة والاستقرار. ورغم التحديات الكبيرة التي تواجهها، فإن نجاح هذه الخطة قد لا يحافظ فقط على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الداخلي، بل قد يقدم أيضاً نموذجاً يحتذى به للدول الأخرى التي تواجه تحديات مشابهة في أسواقها العقارية، في وقت يشهد فيه العالم تحولات اقتصادية كبرى.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!