دبي، الإمارات
في مشهد يعاكس تماماً توقعات التشاؤم التي هيمنت على تحليلات أوائل العام، تُسجل دبي فصلاً جديداً في سردية صعودها الاقتصادي والعقاري، حيث تُشير أحدث البيانات والتحليلات المتخصصة إلى أن سوق العقارات السكنية في الإمارة ليس في طريقه إلى التعافي فحسب، بل يتحضر لتحقيق قفزة استثنائية نحو مستويات قياسية جديدة خلال العام المقبل 2026. هذا التحول الجذري، الذي يحوله العديد من الخبراء من \"الانهيار المتوقع\" إلى \"الازدهار المُتحقق\"، يستند إلى قاعدة صلبة من النمو الاقتصادي الحقيقي والمتنوع، تاركاً وراءه شبح المضاربة العشوائية لصالح محركات هيكلية قوية تعيد تشكيل مستقبل المدينة.
يأتي هذا التحليل بناءً على تقرير سوقي حديث صدر يوم الأربعاء عن السيد كاشف أنصاري، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لمجموعة \"جوواي آي كيو آي\" (Jawwy IQI) الاستشارية العقارية العالمية. يقول أنصاري في معرض تعليقه على التوقعات السابقة: \"حذر العديد من المحللين من أن دبي على وشك الدخول في مرحلة فقاعة عقارية. وبدلاً من ذلك، تحول الانهيار المتوقع إلى ازدهار، وارتفعت الأسعار والإيجارات بفعل نمو اقتصادي حقيقي وليس نتيجة للمضاربة\".
الدعامة الاقتصادية.. نمو الناتج المحلي يدفع الطلب العقلاني
في صلب هذه القصة يقف الناتج المحلي الإجمالي لدبي، الذي تُقدره هيئة دبي للإحصاء بنحو 565 مليار درهم إماراتي (حوالي 154 مليار دولار أمريكي) لعام 2025، مسجلاً نمواً سنوياً مطرداً يتراوح بين 4% إلى 5% وفقاً لتقارير البنك المركزي الإماراتي وصندوق النقد الدولي. ولا تبدو هذه المؤشرات وليدة لحظة عابرة، فالتوقعات الصادرة عن مؤسسات مالية رصينة وهيئات حكومية تُجمع على استمرار هذا الزخم، مما يدفع بالاقتصاد لتخطي حاجز 590-600 مليار درهم في 2026.
المحركان الجديدان.. التمويل العالمي والذكاء الاصطناعي
أحد أبرز محركات هذا المشهد هو التحول الاستثنائي الذي يشهده القطاع المالي في دبي. فقد نجح مركز دبي المالي العالمي (DIFC)، وفقاً لتقريره السنوي، في تعزيز مكانته كواحد من أفضل خمسة مراكز عالمية لصناديق التحوط، مع تضاعف عدد هذه الصناديق العاملة من داخل الإمارة منذ بداية عام 2024. هذا الجذب الهائل لرأس المال العالمي لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة بيئة أعمال لا تضاهى تجمع بين الإعفاء من ضريبة الدخل الشخصي، والموقع الاستراتيجي الذي يربط بين الأسواق الشرقية والغربية، والوصول إلى ثروات هائلة تُدار من قبل مكاتب العائلات الثرية.
بالتوازي مع الثورة المالية، تبرز دبي كحاضنة رئيسية للثورة التكنولوجية القادمة، ممثلة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي. فالإمارة تتصدر المشهد الإقليمي في جذب الاستثمارات العالمية الضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية. وتشير تقديرات وزارة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد في الإمارات إلى أن قيمة اقتصاد الذكاء الاصطناعي في الدولة ستصل إلى حوالي 96 مليار دولار، مساهمة بما يقارب 14% من الناتج المحلي الإجمالي الوطني بحلول عام 2030. يؤكد الدكتور عمر السلطان، خبير الاقتصاد الرقمي، أن \"هذا التحول التكنولوجي الضخم من المتوقع أن يخلق قرابة 200,000 وظيفة جديدة عالية التخصص، مع توقع أن تحتضن دبي حصة كبيرة منها، مما يولد طلباً هيكلياً ومستداماً على الإسكان\".
هذا المزيج الفريد من قوة مالية صاعدة وثورة تكنولوجية وافدة يخلق سيناريو استثنائياً لسوق العقارات. يخلص خالد حمدان، المحلل الاقتصادي الأول في بنك الإمارات دبي الوطني (Emirates NBD)، إلى أن \"النمو لم يعد مدفوعاً بعوامل عرضية أو مضاربة قصيرة الأجل، بل يقوم على تحول جوهري في النسيج الاقتصادي للمدينة. التوقعات تشير إلى أن هذا الزخم سيدفع بسوق العقارات السكنية في دبي إلى اختراق سقوف جديدة في 2026، مع استمرار ارتفاع القيم مدعوماً بهذه الأساسيات المتينة\".
باختصار، فإن قصة عقارات دبي اليوم، كما يوضحها تقرير \"جوواي آي كيو آي\" وتحليلات الخبراء والمؤسسات الرسمية، هي انعكاس أمين لقصة نجاح اقتصادي أوسع. لقد تجاوزت الإمارة مرحلة الاعتماد على نموذج واحد، لتبني مشهداً اقتصادياً مركباً وقادراً على الصمود، مما يعزز مكانتها كواحدة من أكثر الوجهات العقارية جاذبية واستقراراً على الخريطة الاستثمارية العالمية.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!