دبي، الإمارات
تتجه ديناميكيات التسعير في سوق العقارات الفاخرة بدبي نحو منحنى أكثر نضجاً وتعقيداً، حيث فقد عامل الحجم وحده هيمنته التقليدية لصالح معايير نوعية تركز على الاستدامة القيمية والمخاطر المستقبلية. فلم تعد المساحة الكافية ضمانة لتحقيق علاوة سعرية، بل باتت عناصر مثل ضمان عدم حجب الإطلالة، والخصوصية المحمية، والبيئة الهادئة، هي العوامل الحاسمة التي تحدد الفجوة السعرية بين وحدتين متشابهتين ظاهرياً.
يشير ماركوس ألبرشت، الرئيس التنفيذي لشركة Prime Residences UAE، إلى تحول جوهري في عقلية المشتري، حيث لم تعد الأمتار المربعة تمثل رمزاً للقيمة بذاتها. ويوضح أن اليقين الاستثماري طويل الأجل هو المحرك الجديد، وهو اليقين الذي يعني ضمان بقاء المنظر البحري مفتوحاً وعدم تحول الأراضي المحيطة إلى مشاريع إنشائية قد تعكر صفو الحياة وتقلل من قيمة الملكية. ويؤكد أن هذا المنطق التحويلي يستند إلى تجارب أسواق عالمية ناضجة، حيث يبحث المستثمر عن سمات غير قابلة للتكرار أو التقليد.
ويؤكد خالد النحاس، مدير التسويق في Oceanic Estates، أن السوق يشهد طلباً استثنائياً على الوحدات النادرة التي تجمع بين الإطلالة المضمونة والخصوصية التامة والجاهزية للسكن الفوري. ويلاحظ أن المشترين اليوم يقيمون العقار ليس فقط بقيمته الحالية، بل بقدرته على الاحتفاظ بهذه القيمة وحمايتها من التآكل بفعل التطورات العمرانية المستقبلية. ويضيف أن الوحدات التي تتطلب عمليات تجديد أو تعديلات بعد الشراء فقدت بريقها لصالح الشقق والفلل الجاهزة تماماً، حيث يريد المشترون تجنب أي \"احتكاكات\" أو تكاليف إضافية.
وتكشف سارة القاسمي، المحللة العقارية المستقلة، عن أن هذا التحول يترجم إلى علاوات سعرية ملموسة، حيث يمكن أن تتفوق وحدة سكنية مطلة على البحر أو تقع في مجتمع منخفض الكثافة بنسبة تتراوح بين 30% و60% على نظيرتها الداخلية ذات المساحة الأكبر. وتشير إلى أن القيمة لم تعد تُقاس بالمحيط بل بالرؤية، وأن الحالات الاستثنائية حيث تكون الإطلالة محمية بقوانين تنظيمية قد تصل فيها العلاوات إلى مستويات غير مسبوقة بسبب ندرتها المطلقة.
من الناحية الاجتماعية والثقافية، يفسر الدكتور فهد الشرقاوي، خبير التنمية الحضرية، هذا التحول بأنه نتاج طبيعي لتطور مفهوم الرفاهية من الكمية إلى النوعية. فلم يعد التعبير عن الثراء مرتبطاً بامتلاك أكبر مساحة ممكنة، بل بقدرة العقار على توفير أسلوب حياة متكامل ومستقر، يراعي الجوانب النفسية مثل الهدوء والخصوصية والاتصال بالطبيعة، وهو ما يجعل شقة صغيرة ذات إطلالة بحرية مفتوحة أكثر قيمة من فيلا أوسع مساحة في موقع مزدحم.
وفي خضم هذا التحول، يحذر جيسون باروكلو، مدير المبيعات في سوثبيز إنترناشيونال ريالتي دبي، المشترين غير المطلعين من الوقوع في فخ الانبهار بالمظهر دون التحقق من المستقبل. ويؤكد أن أحد أكبر الأخطاء هو الشراء بناءً على الوضع الحالي لمنطقة ما دون دراسة خطط التطوير العمراني المستقبلية، مشيراً إلى أن تأجير الوحدة لفترة أولية ومراقبة ديناميكيات الحي يمكن أن يكونا استراتيجية ذكية لتخفيف المخاطر.
ويمتد تأثير هذا المنطق التسعيري الجديد إلى أبوظبي، حيث يقابله ضغط في المعروض الجديد مقارنة بالطلب المتصاعد، مما يعزز من قيمة السمات النوعية والندرة في تحديد الأسعار.
وعليه نرى أن سوق العقارات الفاخرة في دبي يشهد انتقالاً من نموذج تسعير كمي مبسط إلى نموذج تحليلي معقد، حيث تُقاس القيمة بقدرة العقار على مقاومة التغيير وضمان استمرارية عناصر الجذب النوعية. هذه النقلة تعكس نضجاً في سلوك المستثمرين وتطوراً في فهم الأسس الحقيقية للقيمة المستدامة في عالم العقارات، مما يجعل من \"المتر المربع\" مجرد رقم في معادلة أوسع تُسيطر عليها مفاهيم الرؤية المستقبلية والاستقرار والندرة المحمية.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!