السيولة تبحث عن أرض صلبة.. كيف حوّلت البنوك المصرية القطاع العقاري إلى رهانها الاستراتيجي خلال 2025؟
محار الحسن، مساحات
شهد العام 2025 تحولاً ملحوظاً في علاقة البنوك المصرية بالقطاع العقاري، حيث تحول الأخير من مجرد قطاع استثماري تقليدي إلى وجهة رئيسية للسيولة البنكية، في ظل بيئة اقتصادية معقدة تجمع بين التضخم المرتفع نسبياً، تقلبات سعر الصرف، ومحدودية الخيارات الاستثمارية منخفضة المخاطر الأخرى. فقد قفز إجمالي التمويل العقاري الموجه لدعم الفئات محدودة ومتوسطة الدخل وحده إلى نحو 95.5 مليار جنيه بنهاية نوفمبر 2025، وفقاً لبيانات صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، مسجلاً نمواً لافتاً يعكس الدور المتزايد للمبادرات الحكومية في دعم الإسكان الميسر وتعزيز الطلب الفعلي على الوحدات السكنية.
لكن القصة لا تكتمل عند قراءة الأرقام القياسية فقط، فالصورة الأعمق تكشف عن تحول استراتيجي في سياسات البنوك. في مواجهة موجات التضخم ومحدودية خيارات الاستثمار الآمنة، وجدت المؤسسات المالية في العقار \"ملاذاً آمناً\" وأداة فعالة للتحوط، وذلك لارتباطه بأصول ملموسة يمكن إعادة تسعيرها نسبياً بمرونة أكبر مقارنة بأدوات الدين التقليدية. هذا التوسع الكبير لم يأتِ من فراغ، بل كان مدفوعاً بمحركين رئيسيين:
الأول هو الطلب الحقيقي المتولد من النمو السكاني السريع والمشروعات القومية العملاقة التي خلقت حاجة ماسة لوحدات سكنية وتجارية وإدارية جديدة في المدن الجديدة مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة والقاهرة الجديدة. والمحرك الثاني كان وفرة السيولة البنكية نفسها، التي سعت إلى قنوات توظيف مجدية، فوجدت في المبادرات الحكومية الداعمة للإسكان – مثل مبادرة التمويل العقاري بعائد مدعوم – وفي المنتجات العقارية ذات العوائد المستقرة نسبياً، ضالتها المنشودة.
ومع ذلك، يثير هذا التوسع أسئلة مهمة حول طبيعته: هل هو توسع صحي يرتكز على أساسات اقتصادية سليمة وطلب فعلي مستدام؟ أم أنه يعكس في جزء منه فائضاً سيولياً يبحث عن توظيف سريع، مما قد يخلق فقاعات محلية في شرائح بعينها كالفاخرة أو في مناطق ذات بنية طلب ضعيفة مثل بعض الأطراف غير المدعومة ببنية تحتية كاملة أو نشاط اقتصادي قوي؟ تشير التحليلات والمؤشرات إلى أن السوق يشهد حالة من \"الفرز والتصحيح\" الطبيعي، حيث تتركز الجاذبية الحقيقية للتمويل الآن في المشروعات متعددة الاستخدامات (Mixed-use) والعقارات المتوسطة المدروسة جيدًا والمدارة احترافياً، بينما بدأت البنوك تشدد معاييرها تجاه المشروعات الأحادية ذات المخاطر الأعلى أو تلك التي تعتمد بشكل مفرط على التسويق الترويجي دون دعم تشغيلي قوي.
التمويل البنكي.. محرك النمو بين السيولة والطلب الفعلي
شهدت التمويلات العقارية الموجهة لمحدودي ومتوسطي الدخل قفزة كبيرة، لتصل قيمتها الإجمالية إلى نحو 95.5 مليار جنيه بنهاية نوفمبر 2025، استفاد منها أكثر من 668 ألف عميل. ويُعد بنك مصر أكبر لاعب في هذا السوق بحصة تقدر بـ 21.4 مليار جنيه (حوالي 23.5% من الحجم الإجمالي)، يليه بنك القاهرة والبنك الأهلي وغيرهما. وفي هذا الصدد، يرى معتز أمين، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لمجموعة برايم للإدارة الفندقية، أن \"هذا التوسع في التمويل يعكس تداخل عوامل عدة، أبرزها تحول العقار إلى أداة تحوط للبنوك في مواجهة التضخم، بجانب الطلب الحقيقي الناجم عن النمو السكاني والتحولات المجتمعية\". ويضيف: \"لكن يجب التمييز بين الطلب الحقيقي المدعوم باحتياجات سكنية في مواقع محددة، والتمويل المدفوع بوفرة السيولة البنكية في مناطق قد لا تتمتع بقاعدة طلب قوية\"، مشدداً على أهمية ربط التمويل بالتدفقات النقدية الفعلية والجدوى التشغيلية طويلة الأمد.
الشقق الفندقية.. فرص استثمارية وحدود تشريعية
برزت الشقق الفندقية (Serviced Apartments) كواحد من الحلول المبتكرة لمواكبة الطفرة السياحية، خاصة مع استقبال مصر قرابة 19 مليون سائح خلال 2025 (بزيادة 21% عن 2024)، وطموحات الوصول إلى 30 مليوناً بحلول 2030. يوضح معتز أمين أن \"هذا المنتج يقع في منطقة رمادية بين السكني والفندقي، مما يجعله فرصة جذابة لكنها معقدة تشريعياً وتمويلياً\". مشيراً إلى أن \"السوق يحتاج إلى مزيد من التنظيم والوضوح لضمان جودة الخدمة واستدامة الاستثمار، وهو ما ننتظره من تعاون أوسع بين وزارات السياحة والإسكان والبنوك لتوحيد المعايير وتفعيل ضوابط مثل عقود الإدارة الطويلة الأجل وحسابات الضمان\".
تحليل السوق.. مرحلة تصحيح لا فقاعة
بالرغم من التباطؤ النسبي في حركة البيع خلال 2025 (انخفاض يصل إلى 40% في بعض الشرائح مقارنة بـ2023-2024)، يرفع الخبراء شعار \"التصحيح\" وليس \"الفقاعة\" لوصف الحالة الراهنة.
ويؤكد طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري، أن \"القطاع يواجه تخمة في بعض الشرائح العليا، خاصة في المدن الجديدة، لكن الطلب لا يزال قائماً في الشرائح المتوسطة مدعوماً بالمشاريع القومية\". ويرى شكري أن \"الحل المستدام يكمن في مبادرات تمويلية طويلة الأجل (30 عاماً) مدعومة بأراضي مكتملة المرافق، تسمح للمطور بتقديم سعر مناسب للمواطن\"، مما يساعد في سد الفجوة بين الأسعار والقدرة الشرائية.
جاذبية متجددة.. المستثمر الأجنبي والمصريون بالخارج
تشهد السوق تحولاً ملحوظاً نحو استهداف المستثمرين الأجانب والمصريين في الخارج، خاصة في المناطق السياحية مثل الساحل الشمالي والغردقة والقاهرة الجديدة، مدفوعاً بانخفاض سعر الصرف وقوة الشراء النسبية لهذه الفئات. وفي هذا الإطار، تعلق عبير عصام، مطورة عقارية: \"الإقبال من المستثمرين العرب والأجانب يشهد تزايداً واضحاً، مما يخلق ديناميكية جديدة في السوق، خاصة في المنتجات السياحية والاستثمارية التي تقدم عوائد جاذبة\".
استشراف 2026.. فرز المشروعات ومعادلة جديدة
يتوقع المحللون أن تشهد الفترة المقبلة فرزاً قوياً للمشروعات، حيث تبقى المشروعات عالية الجودة والمدارة بشكل احترافي – خاصة في قطاع الشقق الفندقية والاستخدامات المتعددة – هي الأكثر جذباً للتمويل والاستثمار. ويشرح معتز أمين ذلك بالقول: \"السيناريو الأرجح هو حدوث إعادة تسعير غير مباشرة من خلال تمديد فترات السداد أو تقليل المساحات المعروضة، مع استمرار جاذبية المشروعات الجيدة الإدارة\". ويضيف: \"المستقبل للمشروعات المُدارة، وليس المُسوَّقة فقط\"، مشدداً على أن 2026 سيكون عاماً للنمو المنضبط مع زيادات سعرية أكثر اعتدالاً (ربما 8-15% في المتوسط) مدعومة بخفض محتمل للفائدة وزيادة السيولة.
وبالخلاصة نجد أن القطاع العقاري المصري يدخل مرحلة تحددها القدرة على الموازنة الدقيقة بين الفرص الاستثمارية الواعدة – خاصة في السياحي والمختلط والمتوسط – والمخاطر الناتجة عن التوسع غير المدروس أو الاعتماد المفرط على السيولة دون طلب مستدام. يبقى الانضباط المالي، والتقييم الواقعي للمخاطر، والتركيز على المشروعات المستدامة التي تخدم احتياجات السوق الحقيقية وتواكب التحولات المجتمعية والسياحية، هي عوامل النجاح الحاسمة في اجتياز مرحلة التصحيح والاستعداد لمرحلة نمو جديدة وأكثر استقراراً في 2026 وما بعدها.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!