واشنطن، الولايات المتحدة
يقف سوق العقارات الفاخرة على أعتاب واحدة من أكبر التحولات في تاريخه الحديث، مدفوعة بموجة غير مسبوقة لانتقال الثروات بين الأجيال. فوفقاً لتقرير حديث أعدته شركة \"كولدويل بانكر غلوبال لاكشري\" بالاستناد إلى بيانات من \"ألتراتا\" و\"سيرولي أسوشيتس\"، من المتوقع أن ينتقل أكثر من 38 تريليون دولار من الثروات الخاصة على مستوى العالم خلال العقد المقبل.
ومن بين هذه الكتلة المالية الهائلة، سيتجه ما يقارب 4.6 تريليون دولار كأصول عقارية إلى جيل الألفية والجيل \"إكس\"، وهو ما يضع السكن الفاخر في قلب ما يُعرف بـ \"الانتقال العظيم للثروة\".هذا التحول الجيلي لم يعد مجرد توقع مستقبلي، بل بات واقعاً ملموساً يغيّر من هوية المشتري وأساليب الاستثمار العقاري.
ففي مراكز الثروة العالمية مثل نيويورك، تتحول الأموال العائلية إلى قوة دافعة رئيسية خلف الصفقات الكبرى، حيث تُقدم العائلات الثرية على شراء عقارات راقية لأبنائها في سن مبكرة، وتُشركهم في قرارات الشراء التي تجاوزت قيمتها في كثير من الأحيان عتبة 15 مليون دولار. وقد أدى هذا الطلب المتجدد إلى إحداث قفزات سعرية ملحوظة في الأحياء التي تستهوي الجيل الأصغر، مع توسع ملحوظ للفجوة بين أسعار المشاريع التقليدية والعصرية.
واستجابة لهذا التحول، بدأ المطورون في إعادة تصميم مفهوم الفخامة ليتناسب مع ذائقة الورثة الجدد. فلم تعد الصالات الفسيحة والواجهات الكلاسيكية وحدها كافية؛ إذ بدأت المشاريع السكنية النخبوية في نيويورك، على سبيل المثال، في دمج مرافق غير تقليدية مثل استوديوهات البودكاست وصناعة المحتوى، ومساحات مخصصة للعافية والرفاهية الذهنية، مما يعكس تحولاً في أولويات الحياة والاستثمار.
وفي موازاة هذا النشاط الشرائي، تُسرع العائلات الثرية من وتيرة التخطيط المؤسسي لنقل الثروة، حيث لم يعد الحديث عن الميراث من المحظورات. بل على العكس، باتت العديد من العائلات تعقد اجتماعات دورية تشبه مجالس الإدارة، بمشاركة الأجيال الشابة، لمناقشة الأداء الاستثماري وإدارة المحفظة العقارية تحت إشراف مستشارين متخصصين. ويلجأ الكثيرون إلى هياكل قانونية معقدة، مثل الصناديق الائتمانية والشركات العائلية ذات المسؤولية المحدودة، ليس فقط لضمان نقل سلس للملكية، بل أيضاً لتقليل العبء الضريبي المحتمل الذي قد يرافق عملية الميراث.
غير أن هذه الموجة التريليونية ليست بلا تحديات، فهي تُخرج إلى السوق أيضاً مجموعة من العقارات الضخمة، مثل القصور التاريخية والمزارع الواسعة، التي قد لا يرغب الورثة المشتتون جغرافياً في الاحتفاظ بها بسبب تكاليف صيانتها الباهظة.
وقد بدأت هذه العقارات تظهر للبيع بمئات الملايين في ولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك، مما يطرح أسئلة حول مستقبل هذه القطع الفنية المعمارية وقدرة السوق على استيعابها.وبينما تُعيد هذه الموجة الهائلة رسم خريطة الطلب في مراكز مثل مانهاتن وميامي ولندن، فإن تأثيرها لا يقتصر على الأسواق الغربية التقليدية.
فمن المتوقع أن يشهد قطاع العقارات الفاخرة في وجهات ناشئة مثل دبي، التي شهدت مؤخراً ارتفاعاً بنسبة 122% في أسعار وسط المدينة منذ 2020، تأثيراً متزايداً لهذه الثروات المتجددة، حيث يبحث الورثة الجدد عن أصول في أسواق ديناميكية تجمع بين فرص النمو ومرونة الملكية، مما يضع هذه المدن العالمية في موقع استراتيجي جديد ضمن الجغرافيا المتغيرة للثروة والعقار.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!