دبي، الإمارات
في مشهد يعكس مفارقة صارخة، تواصل سوق العقارات في دبي تسجيل أرقام مبيعات قياسية مدفوعة بتدفق غير مسبوق للوافدين والمستثمرين العالميين، بينما يثير التوسع الهائل في أعداد \"المطورين الصغار\" تساؤلات حول قدرة هذا النمو غير المحدود على الاستدامة وسط تنافس شرس وموارد محدودة.
مبيعات تتجاوز التوقعات
يقترب سوق الشقق في دبي من تسجيل عام استثنائي آخر، حيث تجاوزت المبيعات في الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 حاجز 99,758 وحدة، متفوقةً على إجمالي مبيعات الفترة ذاتها من العام الماضي (94,459 وحدة). ويتوقع عمران فاروق، الرئيس التنفيذي لشركة Samana Developers، أن يصل إجمالي مبيعات الشقق غير المخططة بنهاية العام إلى 120,000 وحدة، مما يمثل قفزة بنسبة 27% مقارنة بعام 2024.
وراء هذه الأرقام المبهرة، تكمن تحولات عميقة في بنية السوق. فقد شهدت دبي، على مدى السنوات الخمس الماضية، \"انتشاراً كبيراً\" للمطورين العقاريين الصغار والمتوسطين القادمين من آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، والذين جذبتهم فرص السوق الساخنة.
تشير بيانات Cavendish Maxwell إلى أنه في النصف الأول من 2025 وحده، تم إطلاق حوالي 325 مشروعاً جديداً تضم أكثر من 87,900 وحدة سكنية، بمتوسط يقترب من 490 وحدة تطرح يومياً في السوق.
هذا الفيض من العروض يضع السوق أمام اختبار حقيقي. يعلق فاروق قائلاً: \"المشكلة ليست في العرض من المطورين الرئيسيين القادرين على بيع كل ما ينتجونه... المشكلة هي في انتشار المطورين الصغار. ليس الجميع لديه نموذج العمل أو الموارد الضخمة المطلوبة للترويج عبر قارات مختلفة والحفاظ على زخم المبيعات\". ويتوقع أن المنافسة الشديدة \"قد تجعل من الصعب على جميعهم البقاء\".
في خضم هذا التنافس، يبرز رأي آخر يركز على جودة الأداء وليس الكم وحده. يؤكد وسام بريدي، الرئيس التنفيذي لشركة HRE Development، أن \"السمعة أكثر قيمة من المال. في سوق حر مثل دبي، يثق الناس في المطور الذي يبني سمعة قائمة على خدمة العميل والعلاقات الصحيحة، وليس على مجرد حجم المبيعات\".
قوة الأساس: لماذا تتفوق دبي وتجتذب الاستثمارات العالمية؟
يستمد السوق العقاري في الإمارات، ولا سيما في دبي، قوته المستمرة من مجموعة عوامل هيكلية متشابكة تعزز استقراره وجاذبيته. فقد ساهمت السياسات الديموغرافية الحديثة، مثل برنامج \"التأشيرة الذهبية\" لمدة عشر سنوات، في تحويل الوافدين من مقيمين مؤقتين إلى أفراد يسعون للاستقرار الدائم مع عائلاتهم، الأمر الذي رفع الطلب على المنازل المملوكة بدلاً من الاكتفاء بعقود الإيجار. كما أن الإدارة الحكيمة للأزمات العالمية، وعلى رأسها جائحة كوفيد-19، عززت ثقة المستثمرين الدوليين الذين باتوا ينظرون إلى الإمارات كملاذ آمن ومستقر للاستثمار طويل الأمد. وإلى جانب ذلك، تظل قوة العلامة التجارية لدبي عاملاً محورياً؛ فهي تُعتبر الوجهة الأكثر طلباً في العالم في مجال العقارات، ما يضمن تدفقاً دائماً للرغبة في امتلاك جزء من هذه المدينة التي تحولت إلى رمز عالمي للحداثة والفرص.
يخلص الخبراء إلى أن سوق عقارات دبي والإمارات \"يدخل عصر النمو الاستراتيجي\". فبينما قد تشهد بعض القطاعات أو بعض المطورين الجدد تراجعاً بسبب المنافسة، فإن القواعد الأساسية للسوق – القيادة الرشيدة، والاستقرار، والجاذبية العالمية – توفر أرضية صلبة لنمو مستدام ومدروس.
تمر دبي بلحظة تاريخية حيث تختبر طفرتها العقارية قدرتها على استيعاب نمو هائل في العرض والطلب في آن واحد. التحدي الحقيقي ليس في حجم المبيعات اليوم، بل في قدرة النظام العقاري على الاستمرار في جذب الاستثمارات الذكية طويلة الأجل، و ترشيد المنافسة لصالح الجودة والسمعة، والحفاظ على تلك المعادلة السحرية التي جعلت منها \"العلامة التجارية الأكثر طلباً في العالم\".
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!