محار الحسن، مساحات
في ظل تحولات اقتصادية عالمية وتشدد في السياسات النقدية، بدأت خريطة تفضيلات المستثمر العقاري العربي تأخذ مسارات جديدة أكثر انتقائية وحذراً. إذ لم تعد معادلة الاستثمار العقاري في العالم العربي تعتمد على فرضية النمو السريع والمضاربة، بل تحولت إلى حسابات أكثر تعقيداً تربط بين جودة الأصل، والاستقرار التنظيمي، وإمكانية تحقيق عائد واضح ومستدام.
هذا ما تؤكده آراء نخبة من الخبراء والمستشارين الاستثماريين الذين أجمعوا على أن عام 2026 يمثل مرحلة \"الشراء الذكي\"، حيث يخضع اختيار السوق والفرصة لمعايير دقيقة تتجاوز عامل السعر وحده.
الإمارات.. استحقاق الجودة والموقع فوق المساحة
يتصدر السوق الإماراتي، وتحديداً دبي، قائمة الوجهات، لكن بمعايير مغايرة. يوضح مايكل هارفي، مستشار الاستثمار العقاري، أن المرحلة الحالية تجاوزت التوسع الكمي لصالح التمييز النوعي بين الأصول. فأصبحت عوامل مثل الإطلالة المميزة، وجودة تشييد المبنى، وكفاءة إدارته وتشغيله، وموقعه بالقرب من مراكز الأعمال والنقل، هي المحركات الأساسية للقيمة والقرار الاستثماري، خاصة في ظل ارتفاع وعي المشتري العربي بتكاليف الملكية طويلة الأجل.
السعودية.. رهان على الأفق الطويل في سوق تأسيسية
على الجانب الآخر، تظهر السعودية كسوق واعد لا يزال في مراحله التأسيسية من منظور الاستثمار الخارجي. يرى فيصل العتيبي، خبير التطوير الحضري، أن المشهد في مدن كالرياض وجدة يحمل أوجه شبه بمراحل التأسيس التي مرت بها دبي سابقاً، مدفوعاً بقوة بالطلب المحلي والمشاريع التنموية العملاقة التي تقودها رؤية 2030. ويشير إلى أن المستثمر العربي المدخل إلى هذا السوق يجب أن يتحلى بنظرة استراتيجية طويلة الأجل، بعيداً عن البحث عن عوائد سريعة.
مصر.. جاذبية السعر تقابلها ضرورة إدارة المخاطر
تظل مصر وجهة جاذبة بسبب \"أسعار الدخول\" التنافسية مقارنة بأسواق عربية أخرى، وفقاً لـ د. نجلاء مراد، مستشارة الاستثمار العقاري. لكنها تحذر من أن النجاح هنا مرهون باختيار حكيم للمطور ذي السمعة الطيبة والمشروع ذو الجدول الزمني الواقعي، مع تفضيل الوحدات شبه المكتملة أو الجاهزة للتسليم لتجنب مخاطر التقلبات الاقتصادية والتضخم. وتبرز العاصمة الإدارية الجديدة كبؤرة جذب رئيسية، شريطة انتقاء المشاريع ذات المراحل التنفيذية الواضحة.
قطر.. ملاذ المستثمر المحافظ الباحث عن الاستقرار
تمثل قطر نموذجاً مختلفاً، تصفه تقارير الخبراء بـ \"سوق المستثمر المحافظ\". فبعيداً عن المضاربات السريعة، توفر الدولة استقراراً قانونياً وبيئة تنظيمية عالية الوضوح، بالإضافة إلى نوعية أصول متميزة في مناطق مثل اللؤلؤة ولوسيل. مما يجعلها وجهة مناسبة لمن يبحث في المقام الأول عن \"حفظ القيمة\" وتحصيل عائد إيجاري مستقر.
المغرب.. تحويل العقار السياحي إلى أصل تشغيلي
أخيراً، يبرز المغرب كخيار استثماري ذكي عبر بوابة العقار السياحي. يرى يوسف بنسالم، خبير العقارات السياحية، أن المدن مثل مراكش وطنجة لم تعد مجرد وجهات لامتلاك \"منزل ثانٍ\"، بل تحولت إلى فرصة لامتلاك أصل قادر على تحقيق دخل جيد عند إدارته باحترافية، خاصة مع النمو المستمر في طلب الإيجار القصير الأجل عبر المنصات العالمية.
يستخلص من تحليل آراء الخبراء أن النجاح الاستثماري العقاري في العام القادم سيكون حصيلة اتباع منهجية مدروسة: التركيز على الأصول عالية الجودة والجاهزة في الأسواق الناضجة مثل الإمارات، والاستعداد لاستراتيجيات طويلة الأجل في الأسواق الناشئة كالسعودية، والجمع بين الجرأة والحذر عند اقتناص الفرص سعرياً في أسواق كالمصرية، مع عدم إغفال خيارات الاستقرار في قطر أو تحويل الملكية إلى دخل في المغرب.
السيناريو الأكثر ترجيحاً أن المستثمر العربي الناجح في 2026 سيكون من ينجح في شراء أصل واضح المعالم، بعائد يمكن حسابه، في سوق ذات قواعد مستقرة، وبعيداً عن المغامرات غير المحسوبة.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!