محار الحسن، مساحات
في لحظة تحوّل نوعية تتشكل ملامح الاستثمار العقاري العربي، تبرز الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية كنموذجين متمايزين، كل منهما يستدعي استراتيجية واستجابة مختلفة من المستثمر. فبينما تدخل الإمارات مرحلة النضج التي تكافئ الاختيار الدقيق للأصول التشغيلية، تظل السعودية سوقاً هيكلياً واعداً يستدعي نظرة استثمارية بعيدة المدى.
يؤكد هذا التمايز ما خلص إليه خبراء عقاريون بارزون خلال مشاركاتهم في تقارير تحليلية حديثة، مشيرين إلى أن عام 2026 سيكون محكاً حقيقياً لقدرة المستثمرين على التمييز بين مفهومي \"العائد الفوري\" و\"تراكم القيمة\".
الإمارات.. حيث العائد يُقاس بجودة الإدارة والدقة الجغرافية
تحول سوقا دبي وأبوظبي إلى نموذج للاستثمار العقاري العالي النضج، حيث لم تعد المساحة وحدها معياراً للقيمة. يوضح فيصل دوراني، رئيس أبحاث الشرق الأوسط في شركة Knight Frank العالمية، أن المعادلة الاستثمارية قد تغيرت جذرياً.
\"المستثمر الذكي اليوم لا يشتري متراً مربعاً، بل يشتري أصلًا تشغيلياً متكاملاً. الفارق الحاسم في العائد لم يعد بين منطقة وأخرى فحسب، بل داخل الموقع الواحد نفسه، حيث تحدد عوامل مثل عمر المبنى وجودة الصيانة الاحترافية وسرعة استجابة إدارة المبنى، الفارق بين عائد 6% وآخر يصل إلى 9%\".
ويلفت دوراني إلى أن هذا التحول يفسر الهجرة الاستثمارية الواضحة من العقارات القديمة، ذات الأعباء التشغيلية المتزايدة، نحو الوحدات الجاهزة في الأبراج التي تديرها شركات مهنية، لما توفره من وضوح في التكاليف وسيولة أعلى في حال إعادة البيع.
السعودية.. رؤية استثمارية تتجاوز الربح السنوي إلى مراكمة الثروة
على الطرف الآخر من الطيف، يمثل المشهد السعودي، وخاصة في مدنه الرئيسية كالرياض وجدة، نموذجاً لـ \"سوق النمو\" التأسيسي. هنا، يتمحور النقاش حول الإمكانات المستقبلية أكثر من العائدات المباشرة.
يشرح ماجد آل قاسم، الخبير البارز في التطوير والاستثمار العقاري السعودي، هذه الفلسفة قائلاً:
\"المملكة اليوم تقدم للعالم نموذجاً فريداً، حيث تحول الطلب المحلي الحقيقي والنمو السكاني والتحولات الحضرية غير المسبوقة، السوق إلى منصة لتراكم القيمة على مدى زمني يمتد من خمس إلى عشر سنوات. المستثمر الناجح هنا هو من يفهم آليات هذا النمو الهيكلي ويختار مشاريعه داخل النطاقات الحضرية الواضحة التي تحددها رؤية 2030 والمشاريع الجاري تنفيذها\".
ويضيف آل قاسم أن الدخول إلى السوق السعودي يتطلب أفقاً زمنياً أطول، وفهماً عميقاً لطبيعة المستهلك المحلي وأولوياته السكنية، والتي غالباً ما تختلف عن تلك السائدة في الأسواق السياحية أو الدولية.
أدوات القرار الحديثة.. من الحدس إلى التحليل
وفي سياق هذه التعقيدات المتزايدة، يشير طارق السعدي، مدير إدارة الأصول العقارية في مجموعة إقليمية كبرى، إلى أن صفة المستثمر الناجح اختلفت.
\"لقد انتهى عصر القرارات القائمة على الحدس أو النصيحة العامة. النجاح اليوم هو نتاج تحليل كمّي يستند إلى مقارنة العائد الإيجاري الصافي بعد خصم جميع النفقات، وتقييم تكاليف التشغيل والإدارة، وقياس سيولة الأصل في السوق الثانوية. قد يكون عقار واحد مدروس بعناية في قلب دبي أو على طريق الملكة في الرياض، أكثر ربحية من محفظة كاملة من الأصول غير المختارة بعناية\".
وتفسر هذه المعايير الصارمة لماذا يميل الطلب في كلا السوقين بشكل حاسم نحو الوحدات الجاهزة أو شبه الجاهزة، والمشاريع التي تدار بواسطة مؤسسات مهنية، والأصول القابلة للتشغيل الفوري، وذلك في محاولة لتجنب مخاطر تأخر التسليم وتقلبات تكاليف البناء.
التكنولوجيا.. البنية التحتية للقرار الذكي
لم يعد دور التكنولوجيا مقتصراً على تسهيل المعاملات، بل أصبحت البنية التحتية المعلوماتية للقرار الاستثماري نفسه. فمنصات البيانات العقارية المفتوحة، وأنظمة إدارة الممتلكات (Property Management Systems) المتطورة، والتقارير التحليلية الدورية، أصبحت أدوات لا غنى عنها للمستثمر الذي يتعامل مع أصول في أكثر من سوق، مما يمكنه من مراقبة الأداء وإدارة المخاطر عن بُعد وبكفاءة غير مسبوقة.
ازدواجية الفرص واستراتيجية واحدة
يستنتج المراقبون أن المشهد الاستثماري العربي لعام 2026 يقدم ازدواجية واضحة: فرص دخل واستقرار وسيولة عالية في سوق ناضج كالإمارات، يقابلها فرص نمو وتراكم قيم هيكلي في سوق واعد ومتحول كالسعودية.
القاسم المشترك بين الفرص في كلا السوقين، والذي يجمع عليه الخبراء، هو أن المفتاح لم يعد التوقيت وحده، بل جودة القرار الذي يتخذه المستثمر، المبني على فهم عميق لطبيعة كل سوق وآليات صناعة العائد فيه. ففي زمن التحولات الكبرى، يبدو أن العوائد الحقيقية محفوظة لمن يشترون بعقولهم قبل محافظهم.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!