لندن – بريطانيايتجاوز قطاع العقارات العالمي اليوم مرحلة التطوير التقليدي ليدخل عصر التحول الجوهري الذي تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت هذه التقنيات حجر الزاوية في إعادة تشكيل كافة مراحل دورة حياة العقار. بدءاً من التخطيط والتصميم، مروراً بالتمويل والتسويق، ووصولاً إلى الإدارة وتحسين الأداء التشغيلي، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد اختيار ترفي، بل بات ضرورة استراتيجية تفرضها تعقيدات الأسواق الحديثة وضرورات المنافسة العالمية.وتشير تحليلات حديثة صادرة عن كبريات المؤسسات الاستشارية العالمية، على رأسها شركة «إي واي» (EY)، إلى أن أكثر من 70% من الفاعلين في السوق العقاري الدولي يدرجون تبني حلول الذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتهم الاستراتيجية خلال الأعوام الثلاثة المقبلة. هذا التوجه يعكس نقلة نوعية في النظرة لهذه التقنيات، من مجرد أدوات داعمة للكفاءة التشغيلية إلى محركات أساسية لخلق القيمة وتعزيز الميزة التنافسية على المدى الطويل.وفي مجال التمويل العقاري، أحدثت تقنيات مثل التعلم الآلي والمعالجة الذكية للمستندات ثورة في كفاءة العمليات. حيث أسهمت هذه الحلول في أتمتة فحص المستندات المالية والقانونية، وتقييم الجدارة الائتمانية بدقة أعلى، وتقليل المدة الزمنية لإتمام الصفقات بشكل ملحوظ. وهو ما انعكس إيجاباً على خفض التكاليف التشغيلية للمؤسسات المالية، وتحسين تجربة العملاء عبر تسريع الحصول على التمويل.أما في مجال الاستثمار والتطوير العقاري، فقد أصبحت منصات التحليل القائمة على الذكاء الاصطناعي أداة حاسمة لاتخاذ القرار. إذ تتيح هذه المنصات تحليل كميات هائلة من البيانات في الوقت الفعلي، تشمل مؤشرات السوق الديموغرافية، أنماط الحركة المرورية، اتجاهات الأسعار، وحتى تأثير السياسات البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) على قيمة الأصول. مما يمكن المطورين والمستثمرين من تحديد الفرص الاستثمارية الواعدة وتجنب المخاطر المحتملة بدقة غير مسبوقة.وعلى صعيد التسويق وتجربة العملاء، أحدثت تقنيات الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً. فمنصات التسويق العقاري الذكية أصبحت قادرة على توليد محتوى مخصص لجذب العملاء المحتملين، وتحليل سلوكيات البحث عبر الإنترنت لفهم الاحتياجات بشكل أعمق، بل وتقديم جولات افتراضية تفاعلية باستخدام تقنيات الواقع المعزز. وهو ما يقلل الفجوة بين التصور والواقع، ويسرع عملية اتخاذ القرار الشرائي.غير أن الأكثر تأثيراً هو دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة التصميم والتخطيط العمراني. حيث تسمح النمذجة الحاسوبية المتقدمة للمصممين والمخططين بمحاكاة أداء المشاريع تحت سيناريوهات مختلفة، وتحليل تأثير العوامل البيئية والاجتماعية، بل وتصميم مساحات مبنية على بيانات حقيقية حول سلوك السكان واحتياجاتهم المستقبلية. وهو ما يفتح آفاقاً جديدة نحو إنشاء مجتمعات حضرية أكثر استدامة وكفاءة.ويحظى هذا التحول باهتمام بالغ من المؤسسات المالية والاستثمارية العملاقة مثل جيه بي مورغان وغولدمان ساكس، التي بدأت تدمج تحليلات الذكاء الاصطناعي في تقييم الأصول العقارية وإدارة محافظ الاستثمار. كما تبرز شركات التقنية المتخصصة في مجال «بروبتيك» لتقدم حلولاً مبتكرة تغطي كافة احتياجات القطاع.ختاماً، يبدو أن مستقبل الصناعة العقارية العالمية سيكون حصيلة التكامل الاستراتيجي بين الخبرة العقارية التقليدية والإمكانيات اللامحدودة للذكاء الاصطناعي. فمن يمتلك البيانات والقدرة على تحويلها إلى قرارات ذكية، سيكون الأقدر على قيادة السوق في العقد المقبل، في مشهد جديد تتقارب فيه التكنولوجيا مع العمران لخلق قيمة مستدامة للإنسان والمجتمع.
تسجيل الدخول / التسجيل




Comments
No comments yet. Be the first to comment!